الاردن: الانتخابات القادمة جرعة أكسجين لرئة مثقوبة!

1٬362

المهندس سليم البطاينة

يقول الفيلسوف والناقد السلوفيني  Salavoj Zizek كبير الباحثين في معهد علوم الاجتماع في جامعة لوبليانا عاصمة سلوفينيا: اذا اردت ان تُفسد مجتمع فما عليك الا فتح باب الزواج بين المال والسياسة، فالزواج بينهما كاثوليكي يقود الى تعبيد الطريق نحو الفساد ويتربص بالامن القومي للبلاد! والعلاقة بينهما جريمة مكتملة الاركان وتعد من الجرائم السياسية ذات الصلة الوثيقة بالرأي العام! ولا تقتصر على مجال محدد كتزوير الانتخابات بل تمتد الى عدة مجالات أهمُّها صعود شخصيات معينة الى البرلمان والمتاجرة بمقاعد البرلمان!

الحقيقة ما كان بودّي ان اشارك في جرعة التفاؤل الحاصلة حالياً في موضوع اجراء الانتخابات النيابية في هذا الوقت والتي رهانها الوحيد هو نسبة المشاركة، ولا نحتاج هنا الى الكثير من المؤشرات التي تؤكد تزييف البيئة الانتخابية في اوقات سابقة، حيث تأتي الانتخابات في ظل مناخ سياسي اقتصادي اجتماعي فاقد للهيكلة! والمؤشرات الانتخابية كما هو معروف أولاً واخيرا هي مسألة الرضا والاختيار كجوهر للعملية الانتخابية، ومن ثم تأسيس بيئة انتخابية حرة، وسياقات حقيقية لإجرائها!

وبغض النظر عن مسألة التشكيك في صدقية النسب الرسمية المعلنة في كل مرة! إلا ان العزوف الانتخابي في الأردن يتزايد بشكلٍ مضطرد من سنة لأخرى نتيجة تظافر الازمات المعيشية للناس! والتجربة التي اكتسبها الاردنيون اظهرت أنه لا منفعة تُرجى من مجالس النواب، والحقيقة التي لا يمكن انكارها في واقعنا السياسي الحالي هي فقدان الثقة بين الجميع! فـ سابقاً أرسل الاردنيون رسائل واضحة من خلال مقاطعتهم للانتخابات البرلمانية!

بالتأكيد لا توجد وصفات سحرية لحث الناس على المشاركة والتصويت! فقد أخذ المشرّع الاردني بالحق الشخصي للانتخاب، لذا ليس هناك قيد على المشاركة من عدمها، وطالما هو حق دستوري فلا إلزام به.

ومع اقتراب موعد الانتخابات النيابية كَثُر الحديث عن اختراق المال السياسي لشراء الارقام المتقدمة في بعض من القوائم الحزبية نتيجة الثغرات في قانون الانتخاب الحالي الذي يحمل في صلبه أسباب إخفاقه، والقائمة الوطنية رغم اهميتها الا أنها ستفتح الباب لأثرياء المال لاغتنام مقعد نيابي والعمل على فرز خريطة سياسية لصالح الفئة المالكة للثروة كونها الفئة الاكثر وعياً لمصالحها! لانها تُدرك ان حماية مصالحها تفرض امتلاك السلطة، لذلك فهي على استعداد لان توظف كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة للبقاء في مواقع القرار السياسي! وهذا الموضوع يثير حالياً موجة من الغضب وحالة من القلق لدى الاردنيين لأنه سيُفضي الى نتائج مشوهة لا تعكس خياراتهم وطموحاتهم.

مواقف وهواجس كثيرة تتحكم بالأردنيين قبيل موعد الانتخابات في ايلول القادم، ولكل موقف وهاجس مبرراته وقناعاته! والخوف ان لا تبقى السياسة في الاردن مجانية، فقد اصبحت على ما يبدو تشكل أمراً مكلفاً الى درجة تحول فيها المال الى عنصر من العناصر الاكثر تهديداً للإصلاحات السياسية! فالمال هو حليب الام للسياسة، وهو عصب السياسة، ويشتري كل شي، ويفتح جميع الابواب المُحصنة المغلقة باحكام حتى لو كانت اقفالها مُشفّرة، واقترانه بالسياسة سيأخذ طابعاً اخلاقياً سيئاً، وتغلغله سيؤدي الى تصحير العمل السياسي وتفكيك المختبرات السياسية! والى التشكيك في مضمون الخطاب السياسي للدولة.

وقصة المسار مع المال السياسي، والهندسة المسبقة للانتخابات التي كانت تتم سابقاً لا يمكن حصرها في مقال واحد! إذ ستظل الحكاية مفتوحة داخل صندوق اسود يمنع الاقتراب من مفاتيحه!

واضحٌ جداً أن شراك المال السياسي واذرعه بدأت تنشط! ورجال المال يغزون المشهد ويستعدون لقلب الطاولة من خلال القوائم الوطنية، لكن ساذج من يعتقد ان الاحزاب الناشئة حديثاً تستطيع تحمل عبء المرحلة القادمة، فعلى سبيل المثال في موريتانيا تجاوز عدد الاحزاب (مائة حزب سياسي)، لكن هناك قانوناً يقضي بحل كل حزب لم يتمكن من تجاوز عتبة ال ١٪.

لكن هناك الكثير من الاسئلة برزت بعد الدعوة الملكية لإجراء الانتخابات وهي: هل سنشهد هذه المرة تغييراً جذرياً في تشكيلة المشهد النيابي القادم؟

كل ذلك يؤكد انه قد آن الاوان كي ينفض الفكر السياسي الاردني عن كاهله غبار السنوات الماضية، فـ من العوامل التي أرهقت النظام السياسي الاردني هي الهندسة المسبقة للإنتخابات وبالتالي فقدان الانتخابات لمصداقيتها ومِكَنِزماتِها الاساسية، وإفراغ المنافسة الانتخابية من معانيها الحقيقية.

التعليقات مغلقة.