هل حقا هذه خدمة العلم

كتب الدكتور  ماجد الخواجا

أذكر أنني قد انخرطت في الخدمة ( الإجبارية) والتي تسمى بخدمة العلم لمدة سنتين وكنت ضمن الدفعة رقم (24) حيث كانت الأفواج تأخذ شكل الدفعات وتحمل رقما متسلسلا، وكان يتم التحاق أربع دفعات سنويا بحيث تلتحق دفعة كل ثلاثة أشهر. لم يكن هناك استثناءات بعدم الالتحاق بالخدمة الإجبارية إلا بموجبات محددة في قانون الخدمة نفسه وتتمثل في اللياقة الصحية أو متابعة الدراسة على أن يلتحق الطالب في الخدمة بعد تخرجه أو وحيد الوالدين وهكذا. أي أن كل شاب أكمل الثامنة عشر من عمره يجري إلحاقه في الخدمة الإجبارية لمدة سنتين شمسيتين كاملتين. وكانت الخدمة عسكرية بالكامل وبرقم عسكري خاص بالمكلفين ويؤدي دورا عسكريا وأنشطة ومهام كلها ذات طابع عسكري طيلة فترة خدمته. هكذا تواصلت خدمة العلم الإجبارية على شكل أفواج ودفعات متسلسلة منذ انطلاق التدريب أو الخدمة لأول دفعة وكانت عام 1978 على ما أعتقد عندما صدر قانون خدمة العلام سنة 1976 وتم إيقاف الالتحاق بالخدمة الإجبارية منذ عام 1991 أي أنه مضى 29 سنة على توقف خدمة العلم.

أي أن خدمة العلم كانت عسكرية بالكامل، وكانت شاملة لجميع الشباب ضمن الفئة العمرية الواحدة، وكان الإعفاء أو التأجيل يتم ضمن محددات واردة في القانون، وكان الإشراف بالكامل يتم من قبل القوات المسلحة الأردنية.

وجاء الحديث تباعا والمنادي بتطوير خدمة العلم بعد توقفه، نتيجة المستجدات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والزيادة المطردة في أعداد الشباب ضمن الفئة العمرية الواحدة، إضافة إلى زيادة أعداد الخريجين الجامعيين قي مختلف التخصصات بحيث أصبح من الضروري مراعاة كل هذه التغيرات عند تنفيذ خدمة العلم.

تشير أرقام دائرة الإحصاءات الأردنية إلى نمو أعداد المواليد السنوية بشكل كبير حيث أظهرت الأرقام أن عدد المواليد لعام 2005 بلغ (150 ألف ) منهم 50% من الذكور، فيما بلغ عدد المواليد لعام 2009 (180 ألف ) منهم ( 90 ألف ) ذكور. ليصل عدد المواليد في عام 2018 إلى ( 230 ألف ) وهذا الرقم يوضح حجم النمو السكاني السنوي الذي يتطلب توفير مرافق وتمويل وتجهيزات وكلف غير منظورة مع مراعاة الجدوى الوطنية والاقتصادية لخدمة العلم.

إذا كان الحديث عن تطوير آليات خدمة العلم دون أن يكون ثمة تفكير في تشويه صورة خدمة العلم الإجبارية الشاملة ذات الطابع العسكري.

إن ما تم الخروج به عبر إعلان الحكومة عن عودة خدمة العلم هو شكل مقزم غير منصف ويعوزه المساواة وتكافؤ الفرص، حيث أنه لم يراع أيا من سمات خدمة العلم المنصوص عليها قانونا.

لقد ظهر التفاوت في تطبيق برنامج خدمة العلم عندما حدد الفئة العمرية المستهدفة ما بين

( 25-29) سنة، وتجاهل النواع الاجتماعي وأعني الإناث اللواتي يمثلن ما نسبته (50%) من المجتمع على الأقل.

وأيضا لا أدري ما الحكمة من الإعلان عن أول فوج لمن هم في عمر 25 سنة وليس لمن هم في عمر 29 سنة لأن المنطق يقول أن هؤلاء أولى بالالتحاق عمريا.

أيضا ما المردود المتوقع حتى من ناحية التشغيل لعدد محدود من ذات الفئة العمرية فلو رجعنا لعدد المواليد ممن هم الآن في عمر 25 سنة سنجد أنه يتراوح في حدود (50 ألف ) من الذكور لعام 1995 ، فيما تتحدث الحكومة عن إلحاق 5000 من هؤلاء في الخدمة أي ما نسبته 10% من أعداد الفئة العمرية المستهدفة. ولو أرادت الحكومة زيادة العدد كما تم التصريح به إلى 15 ألف ملتحق في العام القادم، وأخذنا أعداد المواليد للسنوات الخمس ( 1991-1995) يتوقع أن يكون العدد ( 250 ألف) ممن تنطبق عليهم شروط الخدمة.

إن ربط خدمة العلم بالتشغيل لن يحقق أية غاية وطنية مرتجاة، وستعيد الحكومة الكرة ذاتها مع القطاع الخاص والضغط عليه بالإكراه والإغراء من أجل إلحاق المستهدفين في مصانعهم وشركاتهم.

من أوعز للحكومة بأن خريجي الجامعات والكليات المتوسطة يبحثون عن أي عمل بالطريقة التي يصرح بها وزير العمل كلما ظهر على شاشة التلفاز، أي منطق تتحدث عنه الحكومة عندما تقر بالفشل في تشغيل خريجي الجامعات ضمن اختصاصاتهم، ولماذا بالأساس تم إتاحة القبول الجامعي وفتح أبواب الكليات أمام هذه الجحافل من العاطلين عن العمل.

من قال للحكومة أن المشكلة في التدريب وفي التوجيه المهني وفي تزويد الشباب بمهارات التواصل وكيفية كتابة السيرة الذاتية.

كل المشكلة أنه ( لا توجد فرص عمل حقيقية ) لينخرط بها الشباب ضمن اختصاصاتهم أو ضمن اختصاصات قريبة مشابهة لما يحملون من مؤهلات.

ومن قال للحكومة أن قطاع التدريب المهني سيستوعب كل هذه الأعداد على فرض قبول الشباب الخريجين الجامعيين العاطلين عن العمل بذلك.

من قال للحكومة أن الشباب المستهدفون سيقبلون بالعمل في أية حرفة وتحت أية شروط وبيئة عمل، ماذا نقول لكل الخريجين الجامعيين عندما يكتشفون الخديعة الكبرى وأنه لم يعد لهم من فرص حياتية إلا ما يلقى عليهم من فتات لا يسد رمقا أو جوعا.

لماذا التمايز بين أبناء الفئة العمرية الواحدة من خلال الإعفاء أو عدم الالتحاق في حال وجود رقم للشاب في الضمان الاجتماعي.

لماذا إظهار خدمة العلم وكأنها عقوبة وليست واجبا وطنيا.

لماذا التمايز بين المتقدمين لما يدعى بديوان الخدمة المدنية من خلال تشويه مبدأ الدور والأحقية بأن يتم منح نقاط للملتحقين بخدمة العلم.

لماذا التطاول على الدور المؤسسي لديوان الخدمة المدنية.

أما بخصوص خديعة أن الالتحاق بالتعليم والتدريب المهني ومعرفة كتابة السيرة الذاتية ومهارات التواصل التي سيتم إحالة عطاءاتها بالملايين لبعض الجهات صاحبة الكرش الأكبر، فهذه سيتم إفراد مقالة خاصة بها لاحقا.