روسيا: الصرخة الأخيرة للصحفية التي أشعلت النار في نفسها

الاردن اليوم : في اليوم الذي قررت فيه إيرينا وضع حد لحياتها، لم يلحظ ألكسي عليها شيئاً غير معتاد. كان يوم عيد ميلاد والدتها السبعين، وقد أعدت إيرينا كعكة التفاح لهذه المناسبة.

اتصل بها ألكسي الساعة 13:34 وتحدث الزوجان سريعا. “كانت الأمور طبيعية تماما، كما لو كانت ستعود إلى المنزل بعدها”. وبعد ساعتين تلقى مكالمة تخبره بأن إيرينا أشعلت النار في نفسها داخل مقر وزارة الداخلية المحلية.

وكان آخر منشور لها على فيسبوك يقول ” أطالبكم بأن تحملوا الاتحاد الروسي مسؤولية وفاتي.”

 

(احتجاج قاس)

 

في نيجني نوفغورود الواقعة على بعد 400 كيلومتر شرق موسكو، يلوم المقربون من إيرينا أنفسهم لأنهم لم يعلموا بما كانت تخطط له، وبالتالي لم يستطيعوا ثنيها.

لكنهم مقتنعون أن ما فعلته عمل احتجاجي سياسي متعمد، وليس دلالة يأس.

“إيرينا سلافينا كانت بعيدة كل البعد عن الاكتئاب”، هكذا قالت لي إيرينا إينيكيفا صديقتها لسنوات عدة. وأضافت “لقد كانت إيجابية مفعمة بالنشاط، كانت امرأة مليئة بالحنان والدفء والنور”.

بعد وقت قصير من وفاتها، انتشر على الانترنت مقطع فيديو التقطته كاميرا مراقبة فيما يبدو. يظهر التسجيل إيرينا سلافينا أمام المقر الخراساني العملاق لوزارة الداخلية.

جلست على مقعد بين ثلاثة تماثيل برونزية ترمز لرجال الشرطة الروس على مر العصور.

في البداية اشتعلت النيران في ذراعها الأيسر ثم التهمت جسدها بالكامل خلال ثوان. خلع أحد المارة سترته وحاول في ذعر إخماد النيران، لكن المرأة المحتضرة دفعته بعيداً مرتين، قبل أن تنهار.

“هل تذهب تضحيتي دون جدوى؟”

” كان واضحاً أنها عازمة على القيام بذلك “، كما يقول صديق آخر لها وهو ميخائيل يوسيلفيتش الناشط المؤيد للديمقراطية. ويضيف “حقيقة أنها قررت أن تقوم بتصرف متطرف كهذا يعني أنه ليس انتحاراً وإنما هو شكل من أشكال الاحتجاج، محسوب ومخطط له”.

قبل عام، طرحت إيرينا الفكرة عبر صفحتها على فيسبوك. تساءلت ما إذا كان إشعالها النار في نفسها سيدفع روسيا “ولو بصورة أسرع نحو مستقبل مشرق؟ أم أن تضحيتي ستذهب دون جدوى؟”.

ظن القراء أن ما كتبته ليس سوى دعابة.

يدأت إيرينا سلافينا -والتي كانت أماً لطفلين والتقت زوجها حين كانت في سن المراهقة-حياتها المهنية كمدرسة، لكن الوظيفة لم تكن مناسبة لها. قال لي ألكسي إنها لم تكن تحب القواعد.

إيرينا مع زوجها ألكسي وابن صديقتها

“تغير العالم إلى لأفضل”

 

لكن مع تزايد الضغوط على الحريات الصحفية في روسيا في ظل حكم الرئيس فلاديمير بوتين، صارت مبادئ إيرينا تمثل مشكلة، وتم طردها من وظيفتها. يقول صديقها “كل الضغوط بشأن طريقة كتابة الموضوعات الصحفية كانت تثير أعصابها”.

لذلك ففي عام 2015 أسست موقع كوزا برس بدعم من ميخائيل يوسلوفيتش، وراحت تبني سمعتها بصفتها الصحيفة المستقلة الوحيدة في البلدة. ربما كان آخرون يكتبون مقالات قوية، لكن سلافينا كانت مثابرة وثابتة. وسرعان ما أحيطت السلطات علما بعملها.

محاكمات انتقامية؟

يقول المحامي يفغيني جوبين “كتبت عن تجاوزات قوات الأمن والسلطات. كتبت تقارير صريحة قاسية ومباشرة، وهم لم يحبوا ذلك. لذا كانوا يراقبونها”.

يحتفظ المحامي في مكتبه برزمة سميكة من أوراق كل القضايا التي ترافع عنها فيها.

اتهمت بتنظيم احتجاج غير قانوني والعمل لصالح جماعة مؤيدة للديمقراطية حين قامت بتغطية أخبار منتدى سياسي، واتهمت بنشر أخبار زائفة حين كتبت عن انتشار فيروس كورونا في مدينتها.

وحين اعترضت بكتابة عبارات قوية على لوحة تذكارية لستالين، تم تغريمها 70 ألف روبل (700 جنيه إسترليني) لإهانتها مشاعر الشيوعيين.

يقول جوبين ” كان هناك ما بين 10 إلى 12 قضية إدارية ضدها وانتهت جميعها بالغرامة. على مدى الشهور الثمانية عشر الماضية، كانت المحاكمات دائمة”

في السابق كان ينظر إلى مدينة نيجني نوفغورود على أنها شعاع ضوء ينير طريق التحول نحو الديمقراطية في روسيا، ثم ما لبثت أن صارت “مستنقعا” من اللامبالاة، بحسب ما يراه عدد من نشطاء المجتمع المدني.

كان ينظر لنينجي نوفوغراد على أنها شعاع ضوء ينير الطريق نحو التحول الديمقراطي

وعلى النقيض، تشتهر الآن بإدارة لـ”مكافحة التطرف”النشطة للغاية داخل الشرطة المحلية، تركز بشكل كبير على قمع المعارضة السياسية.

اضطرت سلافينا بدخلها المحدود من موقع كوزا برس أن تلجأ إلى جمع التبرعات لسداد الغرامات الباهظة التى فرضت عليها.

وقالت إيرينا سلافينا عن إحدى القضايا في مقطع قصير على يوتيوب “بالتأكيد حدث ذلك بسبب مهنتي. أرى ذلك انتقاما”.

يقول زوجها وهو بحار سابق إن الزوجين لم يناقشا تفاصيل عملها كثيرا. لكنه يقر بأن القضايا التي حوكمت فيها تسببت في ضغط كبير على إيرينا، مضيفا “من المستحيل أن يربح شخص في بلدنا امام المحكمة عندما يكون الخصم هو الحكومة”.

ويمضي قائلا “كانت تتعرض لضغط كبير بسبب قولها الحقيقة. كان الأمر يلقي بثقله عليها”.

النصب التذكاري الذي أشعلت إيرينا عنده النار في نفسها

 القشة الأخيرة

 

تصاعدت الضغوط على إيرينا في اليوم السابق لانتحارها. استيقظت وألكسي في السادسة صباحاً عندما داهم 12 محققاً وشرطياً مسلحا منزلهما. على مدى أربع ساعات قلبوا الشقة رأساً على عقب خلال تفتيشها.

كان ذلك ضمن التحقيقات في قضية جنائية ضد صديق إيرينا ميخائيل يوسيليفيتش “القس” الذي يعقد تجمعات أسبوعية داخل ما يسميه على سبيل السخرية “كنيسة شبح السباغيتي الطائر” لتشجيع التفكير الحر.

 ويُتهم ميخائيل الذي يضع على رأسه مصفاة خلال الاجتماعات بتهديد الأمن القومي الروسي، بعد استضافته جلسات تدريب لمراقبي الانتخابات المحلية.

ويزعم المحققون أن الجلسات أديرت من قبل جماعة Open Russia التي تحظرها السلطات لصلتها بميخائيل خودوركوفسكي أشرس معارضي بوتين الذي يعيش في المنفى. الأمر الذي ينفيه كل من يوسيليفيتش و Open Russia.

وقد أدرجت إيرينا سلافينا وستة نشطاء آخرين على قائمة “الشهود” في القضية، في خطوة تتم غالباً قبل محاكمتهم. ويعتقد البعض أن الهدف من ذلك هو تخويف جميع المعارضين في المدينة، فيما يربط آخرون ومن بينهم إيرينا الأمر باحتجاجات على إقامة حديقة محلية وسط اتهامات بوجود شبهات فساد على مستوى عال.

وبالنسبة لرئيس تحرير كوزا برس، بدا أن تفتيش الشرطة كان القشة التي قصمت ظهر البعير.

“كانت صفعة أخرى على الوجه من بلدنا”، كما قال لي زوجها على الهاتف أثناء مغادرته وأسرته المدينة “بعيداً عن كل شيء”. وأضاف ” إيرينا تأثرت حقاً بما حدث. كانت غاضبة”.

بعد ساعات من وفاة إيرينا، نفى الفرع المحلي للجنة التحقيق وجود أي صلة بين انتحارها وتفتيش شقتها. وأشار إلى أن الصحفية لم تكن شخصياً تواجه أي اتهامات.

ضريح لغياب القانون

 

في أول ليلتين، قام عمال النظافة بإزالة الورود التي وضعها الناس في المكان الذي شهد وفاتها. والآن صاروا يتركونها، ليتحول نصب تذكاري لرجال الشرطة إلى ضريح امرأة حاربت الضيم والظلم، حتى بين صفوفهم.

ويتولى شرطيان حراسة المكان ومراقبة أولئك الذين يتوقفون أمامه لإمعان النظر والتأمل.

ربما البعض لم يسمع بالأخبار، بينما يشعر آخرون بالفزع والارتباك، ويتساءل البعض عما إذا كانت إيرينا قد حاولت إحداث صدمة تخرج المدينة من لامبالاتها.

لا يستطيع زوج إيرينا أن يشرح ذلك، ويقول إنه لن يحاول ذلك في الوقت الحالي.

ويضيف “لا يمكنني ان أعيدها ثانية. علي أن أتقبل قرارها. لكنني لا أريد أن يذهب موتها سدى”.

 

بي بي سي نيوز