تضاريس سياسية جديدة في الأردن ومشهد سياسي مُتحرّك تخترقه معطيات غير مفهومة وتُحرّكه دواليبٌ جديدة

بثلم : المهندس سليم البطاينه:

 

لابد من التأكيد أن استقرار الدول والحكومات يرتبط بإستقرار دساتيرها التي تُحدّد سلطات ومهام وأدوار مؤسسات الدولة ، وكل إخلال بأحكام الدستور يعد مساساً بروح التعاقد ويُحدِث أزمة عميقة في البنيان السياسي وإنتهاكاً لإرادة الناس ، ويدل على وجود فجوة كبيرة في العلاقة بين الدولة والشعب .. ففي الحقيقة أن الديموقراطية ليست لها جنسية ولا دين ، لكنها مفهوم سياسي يعني حرفياً حكم الشعب لنفسه لأن مبدأ الشعب مصدر السلطات هو مبدأ قانوني وسياسي أصبح من المبادىء الراسخة في النُظم الديموقراطية ومفهوم للحكومات المعاصرة.

فعلى الرغم من الصعوبات المتعلّقة بتعريف وتحديد وسائل تطبيق مبدأ الشعب على أنّه مصدر السلطات على أرض الواقع ، إلا أن معظم الدساتير تأخذ به على اعتبار أن الفرد يتمتع بنصيب من الشرعية السياسية.

ولكي يكون الدستور حقيقياً وصادقاً يجب أن يُعبّر عن الإرادة والروح العامة للشعب ، وعن مزاجهم النفسي وطموحاتهم المستقبلية .. فعدم الأخذ بمبدأ فصل وتوازن السلطات وقيام البرلمان بأدواره الحقيقية وغياب حكومات قوية تمتلك مشروع سياسي ورؤية متكاملة ورجال وقادة حقيقيين سَيُفقِد النظام محركاته الأساسية.

فلا أحد يفهم ولا أحد يعرف ، ولا أحد يُدرك المبررات الغير مفهومة لما يتّم الإعداد له ، وما يحدث وما نَسمعه ما هو إلا بداية مشتّتة وغير موفّقة لوثيقة تحديث المنظومة السياسية ، واشتباك سياسي أكثر منه دستوري واضطراب في الخريطة السياسية ، وهذا يؤكد أن هناك قوى غير مرئية تُخطّط وترسم داخل غرف ومنصات خلفية ، وأن هنالك مراكز اتصال وحكومات ظل أشبه ما تكون بالخيط الرفيع في نقل الأوامر والقرارات لحكومات الرأي العام.

فالتعديلات الدستورية المُقترحة كانت مُفاجِئة ولم تكن ضمن حزمة وثيقة منظومة التحديث الملكية ، فعلى ما يبدو أن الحكومة ألحقتها على عجل في خطوة لا تتناسب مع مُخرجات لجنة التحديث التي يرأسها سمير الرفاعي والذي لم يَصدر عنه ولا عن لجنته أي توضيح لأن التعديلات الدستورية المقترحة التي أقرّتها اللجنة الملكية انحصرت فقط في مؤائمة الدستور مع مشروع قانونَيْ الأحزاب والإنتخاب.

وأكثر بند أثار نقاشاً تجاذبياً حاداً وأثار الإعتراض هو التعديل الدستوري المرتبط بتأسيس ذراع دستورية جديدة تحت مسمى ( مجلس الأمن الوطني ) والذي دافعت الحكومة عنه ووصفته بأنه ترقية للحكامة والشفافية في تسيير أمور البلاد وقيمة مضافة في النظام الدستوري الأردني .. لكن الإشكالية الكبرى هي بمستوى الصلاحيات التى سيتم دَستَرَتُها ومنحها لمجلس الأمن الوطني ، والتي يراها البعض بأنها سلب لمًا تبقى من صلاحيات الحكومة.

والتعديلات القادمة للدستور ستؤدي إلى إضعاف الحكومات بشكل مدروس لصالح قوى وأطراف أخرى ، وإلى خَلق حكومات مكبّلة اليدين منزوعة الدسم والأنياب أشبه ما تكون بمجلس قَروي.

فأحد أبرز عيوب السياسة الداخلية الأردنية بشكل عام لطالما تمثّل بالضعف في مقاربة المشكلات السياسية والقانونية وإفراغ السياسة من محتواها ومن برامجها.

وقراءَتُنا الأولية للتعديلات الدستورية تدفعنا إلى ضرورة التفكير من جديد في بُنية ومكوّنات المجال السياسي وشكل علاقة النظام السياسي القادم بمجاله العام لفهم الحركة المُفاجئة لتلك التعديلات.

علماً أنّه من الصعب جداً عدم المبالغة بتقدير أهمية كل تلك التساؤلات ضمن الأفق المرتبط بالإصلاح والتحديث دون إغفال أنماط التحديات المطروحة محلياً واقليمياً .. فمؤشرات المشهد السياسي القادم تؤكّد أن المجال السياسي سيفقد قواعد تَحْكُمه وسيؤدّي تدريجياً إلى تضييق في الحزام السياسي.

فكثيرة هي المقالات والكتابات المعارضة لمشروع التعديلات الدستورية المطروحة والتي تجاوزت مشاعر التفاؤل لدى المعارضين والتشاؤم لدى المؤيدين.

فأي نظام سياسي في العالم يواجه دوماً ضغوطات من أجل التغير والتحديث ، وهذا بالضرورة يتطلّب التوقّف أمام مراجعات أساسية وجوهرية ، خصوصاً إذا كانت عملية التحديث لبنية النظام السياسي وأدواته وآليّاته ومؤسساته مستمرة وخاضعة للتقييم الدوري.

ومن المأكّد أن الملك بشخصيته الإعتبارية يقود السياسية الخارجية للدولة منذ نشأتها وهذا ساعد على الإستقرار وجَنّب البلاد كوارث عديدة .. فمنح الولاية العامة للحكومات أولا وأخيراً لتحصين الملك من أي تبعيّة قانونية أو دستورية مما يجعله مصاناً ولا يُنسب إليه الخطأ ، فرمزيّته تولّدت من مبدأ عدم ممارسته للسلطة.

فثمّة دروس أخرى لابد من التأكيد عليها، فكل يوم يَمر يُخصَم من رصيد الثقة وتَرنو البلاد نحو مزيد من الاخطار .. فمتى وكيف يتوقف كل ذلك ؟ تبقى الإجابة مفتوحة وكل الإحتمالات ممكنة.