بني هاني يكتب: أزمة الحزب الجمهوري بعد الانتخابات النصفية

كتب حسين بني هاني

يبدو أن نتائج إنتخابات الكونغرس الأخيرة، قد وضعت حداً لطموحات الرئيس ترامب بالعودة الى البيت الأبيض، ونثرت بذور الانشقاق والانقسام داخل الحزب الجمهوري، بعد ان جيّر ترامب حملة الحزب الانتخابية لأهدافه الشخصية البحتة، وبدا ان خياراته السيئة للمرشحين، الذين فرضهم عنوةً على الحزب، هي التي الحقت الهزيمة بآمال الجمهوريين بالسيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب بصورة مطلقة.

لقد ظهر ترامب منكسراً نسبياً بعد النتائج، وبدا وكأنه اكثر الخاسرين في هذه الانتخابات، بعد ان كرّس معظم خطاباته في التجمعات الانتخابية للدعاية لنفسه، بدل الدعاية للمرشحين، مما دفع صحيفة الغارديان البريطانية، لكي تصفه بانه زعيم نرجسي، أراد ان تكون هذه الانتخابات له وعنه فقط، الامر الذي جعل النتائج تأتي عكس ما كان يريد ويشتهي، وجعل احد المهمين الكبار في الحزب الديموقراطي، يصف المشهد، بأن ترامب بلغ به الامر، انه كان يتوقع بعد النتائج ” ان يتحول مجلس النواب لشركة محاماة تابعة له، بعد فوز مؤيديه الذين رشحهم، للدفاع عنه ضد التهم الموجه اليه”. فيما قالت صحيفة نيويورك بوست، ان الوقت قد حان كي يقبل المعجبون به بالحقيقية، بان ترامب “السام” هو المعادل لأنبوبة “ريد” المضادة للحشرات.

تلك كانت هزيمة منكرة، كما أشار بعض المحللين، وجاءت بفضل دعم ترامب لأولئك الذين حملوا رايته وايدوا مواقفه، للترشح عن الحزب، في وقت سجّل فيه عضوين من الجمهوريين فوزاً ساحقاً في ولاية جورجيا، سبق لهما ان رفضا ضغوطه لإلغاء نتائج ٢٠٢٠، وهذا ما شجع شبكة فوكس نيوز، كي تنقل عن مصادر جمهورية القول “لقد اصبح لدينا الان مشكلة اسمها ترامب”، لان غالبية المرشحين الذين فشلوا، سبق لهم وان انكروا على الملأ او شككوا في انتخابات ٢٠٢٠ الرئاسية، ومما زاد حنق ترامب اكثر، ذلك الفوز المدوّي الذي حققه رون دي سانتيس، اكبر منافس له داخل الحزب الجمهوري للترشح للرئاسة المقبلة، والذي اعيد انتخابه حاكما لولاية فلوريدا مرة ثانية، ذاك الذي سبق لترامب ان سخِر منه، وهاجمه في اكثر من مناسبة واكثر من ولاية، مما دفع هذا الفائز لتجاهل ترامب وعدم الإشارة له في خطاب الفوز، وهذا ما شجع بعص الصحافيين الموالين للجمهوريين لدعوة الحزب، للابتعاد بقوة عن ترامب، لان من شأن ذلك ان يعزّز فرصهم في الوصول الى البيت الأبيض عام ٢٠٢٤، خاصة بعد ان اصبح رون اقوى خصم لترامب داخل الحزب في السباق للانتخابات التمهيدية للجمهوريين المقبلة، والذي وصفته محطة فوكس نيوز الموالية لترامب، بأنه “الزعيم للجديد للحزب الجمهوري”، ومما زاد الطين بلة بالنسبة لترامب ما عبّر عنه زعيم الأقلية الجمهورية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل من قلق إزاء “نوعية” المرشحين الذين دفع بهم ترامب للواجهة، وفشلوا فشلا ذريعا في الفوز في ولاياتهم، والذين كان “أداء العديد منهم سيئاً”، كما قال أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو جون روجوفيسكي، مقابل فوز اشد اعدائه داخل الحزب، في إشارة لحاكم ولاية فلوريدا رون دي سانتيس، والامر الذي بات اكثر قلقاً لترامب وللحزب، ما عبّر عنه بعض أعضاء الحزب الجمهوري الكبار لوكالة فرانس بريس، حين قال احدهم “اننا نفضل شخصاً اقل اثارة للانقسام، وترامب يمتلك هذا لإرضاء غروره فقط”.

أظن أن على الرئيس بايدن في هذا السياق، أن يشكر غريمه ترامب، فهو الذي قدم الخدمة الكبرى له وللديموقراطيين في هذه الانتخابات، بعد ان جعلها رئاسية بدل ان تكون نصفية للكونغرس، وفشل فيها ترامب مرة أخرى بسبب عيوبه السياسية ونرجسيته وسوء اختياره، لأشخاص تقتصر معظم مؤهلاتهم على الولاء له فقط. في ظل هذه النتائج، يمكن القول، ان ادلاء بعض الأمريكيين بأصواتهم ضد الجمهوريين، ربما لم يكن حباً بالرئيس بايدن، بقدر ما كان كرهاً بالرئيس ترامب، بعدما الحقه من اذىً داخل المجتمع الأمريكي، وهو ما يشكل عرضاً متقدماً، او سيناريو محتمل لما ستكون عليه الانتخابات الرئاسية المقبلة، الامر الذي بات يقلق قادة الحزب الجمهوري، من ان يجمع الحزب على ترشيح ترامب مرة أخرى.

لقد آن الأوان كما يقول بعض المحللين المحسوبين على الجمهوريين، أن يبحث الحزب مبكراً عن قائد جديد له، مثل حاكم ولاية فلوريدا بدل ترامب، بعد ان شكلت نتائج هذه الانتخابات خارطة طريق أولية، تدل على ان فرص ترامب باتت ضئيلة، بعد ان لم تنفع كل دعواته لإثارة الناخبين، عبر ثنائية الانقسام وهدر بايدن أموال دافعي الضرائب، لدعم الحرب في أوكرانيا، عوض الدعوة التي كان يحتاجها الحزب، للم شمل الشعب الأمريكي الذي عمّق ترامب انقسامه، وساهم في إثارة الضغائن بين أفراده، وأخيرا حتى بين أعضاء حزبه، عندما دعا مناصريه لمنع الكونغرس من التصديق على نتائج انتخابات ٢٠٢٠، بينما لم ينفع تركيزه ايضاً على الغلاء وارتفاع أسعار النفط، في تغيير قناعات الناخبين، بالتصويت لصالح مرشحي الحزب الجمهوري، كما كان يتوقع.