العجارمة: تعديل النظام الداخلي للنواب مخالفة للدستور وخروج على “الخدمة المدنية”

الأردن اليوم- أكد الوزير الأسبق والخبير القانون الدكتور نوفان العجارمة، أن تعديل النظام الداخلي لمجلس النواب يشكل مخالفة للدستور وخروجا على نظام الخدمة المدنية.

وقال العجارمة في منشور له عبر فيسبوك، إنه تم تضمين النظام الداخلي لمجلس النواب نصاً معدلاً يتضمن إعطاء صلاحية لمجلس النواب ((بإقرار الهيكل التنظيمي للأمانة العامة للمجلس وتحديد كادرها الوظيفي على أن يتم مراجعته وتقييمه، ولا يعتمد أي تغيير على الهيكل الاداري إلا من خلال لجنة تشكل لهذه الغاية من قبل المكتب الدائم)).

وأضاف، أن هذا النص يخالف الدستور الأردني نصاً وروحاً، ويشكل خروجاً واضحاً على نظام الخدمة المدنية حتى يمكن المجلس نفسه من استحداث لوظائف والتعيين بشكل مستقل عن نظام المدمة المدنية وبالتالي العودة الى المشكلة التي كانت قبل عام 2013 قبل استحداث الهيكلة وخضوع على اجهزة الدولة (بما فيها مجلس الامة) الى نظام الخدمة المدنية والتعيين يتم حسب الدور المحدد في ديوان الخدمة المدنية.

ووجهة محالفة هذا التعديل للدستور تتمثل بالآتي:

اولاً: لقد اعطى الدستور في المادة (83) منه الحق لمجلس النواب بان (يضع انظمة داخلية لضبط وتنظيم اجراءاته وتعرض هذه الانظمة على الملك للتصديق عليها). كما أعطت المادة (120) من الدستور الحق لمجلس الوزراء بتحديد ((التقسيمات الادارية في المملكة الاردنية الهاشمية وتشكيلات دوائر الحكومة ودرجاتها واسماؤها ومنهاج ادارتها وكيفية تعيين الموظفين وعزلهم والاشراف عليهم وحدود صلاحياتهم واختصاصاتهم تعين بأنظمة يصدرها مجلس الوزراء بموافقة الملك)). والنص الوارد في التعديل لا علاقة له بضبط وتنظيم إجراءات مجلس النواب بل تناول موضوع يدخل ضمن نطاق المادة (120) من الدستور.

ثانياً: لقد استقر العرف التشريعي في بيان نطاق وحدود ومضمون (النظام الداخلي لمجلس النواب) بداءً من النظام الداخلي للمجلس النيابي الصادر 16/ 11/ 1947 ومرورا بالنظام الداخلي لمجلس النواب لسنة 1952 والنظام الداخلي لسنة 1957 والنظام الداخلي لسنة 1996 وحتى النظام النافذ حاليا لسنة 2013. ولم يتناول أي من هذه الأنظمة أي موضوع يتعلق بالهيكل التنظيمي للأمانة العامة للمجلس او تحديد كادرها الوظيفي، لان هذه الأمور تخرج عن صلاحية مجلس النواب وتدخل في صلاحية مجلس الوزراء وفقا لأحكام المادة (120) من الدستور.

ثالثاً: ان كل ما يتعلق بالأمانة العامة لمجلس النواب من حيث هيكلها التنظيمي و موظفيها يتم تحديده بموجب نظام يصدر عن مجلس الوزراء وفقا لنص المادة (120) من الدستور، فقد سبق للمجلس العالي لتفسير الدستور وبموجب قراراه رقم (1) لسنة 1965 ان افتى بذلك حيث يقول (( ان أي تشريع يتعلق بالتنظيمات الادارية وشؤون الموظفين يجب ان يصدر على السلطة التنفيذية بنظام اذا كانت الموضوعات التي يتناولها ذلك التشريع من المسائل المنصوص عليها في المادة (120) من الدستور)) وقد انتهت المحكمة الدستورية الموقرة الى ذات النتيجة حيث فسرت عبارة (منهاج إدارتها ) الواردة في المادة (120) من الدستور بموجب قراراها التفسيري رقم (1) لسنة 2015 حيث تقول ((.. الوحدات الإدارية التي وردت في المادة (120) من الدستور يعبر عنها من جانب تنظيمي بالتقسيمات الإدارية ، ومن جانب وظيفي بدوائر الحكومة ودرجاتها ومناهج إدارتها الأمر الذي يمتد ليشمل تعيين الموظفين فيها وعزلهم والإشراف عليهم وحدود صلاحياتهم واختصاصاتهم ، والتي تعين بأنظمة يصدرها مجلس الوزراء بموافقة الملك كنظام التقسيمات الإدارية ، ونظام التشكيلات الإدارية ، ونظام الخدمة المدنية .لذا ، فان عبارة ” منهاج إدارتها ” كما وردت في المادة (120) من الدستور الخاصة بإنشاء الأجهزة الإدارية المركزية تتعلق بشؤون الإدارة الحكومية ودرجاتها واسمائها وموظفيها تحدد بموجب نظام خاص يصدر عن مجلس الوزراء بموافقة الملك )).

رابعاً: الأصل عندما نذهب الى تعديل القوانيين والأنظمة يكون ثمة أسباب بموجبة لذلك، ومنها وجود النقص التشريعي، السؤال الذي يطرح نفسه: هل ثمة قصور تشريعي في موضوع (الهيكل التنظيمي للأمانة العامة للمجلس وتحديد كادرها الوظيفي)؟ قطعاً لا يوجد، فالكادر الوظيفي لمجلس النواب يخضع لنظام لخدمة المدنية رقم (9) لسنة 2020 وفقا لأحكام المادة (3) منه والتي تنص على: على الرغم مما ورد في أي نظام آخر، تسري أحكام هذا النظام على موظفي الدوائر المدرجة وظائفهم ودرجاتهم ورواتبهم في جدول تشكيلات الوظائف الصادر بمقتضى قانون الموازنة العامة أو قانون موازنات الوحدات الحكومية أو موازنة أي من الدوائر الأخرى. ورئيس مجلس النواب يمارس صلاحية الوزير بموجب المادة (2) من ذات النظام.

خامساً: ان كل ما يصدر عن السلطة التشريعية من قرارات تتعلق بحياة موظفي البرلمان الوظيفية كالقرارات الخاصة بتعيينهم، ترقيتهم، وانتدابهم، فصلهم… الخ، فإنها تعتبر قرارات إدارية يجوز الطعن فيها بالإلغاء. ولا تعتبر من الأعمال البرلمانية كالقرارات التي يصدرها البرلمان أو لجانه المتعلقة بتأدية وظيفته أو بالنظام الداخلي، وذلك كقرارات إسقاط العضوية أو رفع الحصانة البرلمانية أو عدم رفعها، وكذلك قرارات سحب الثقة من الوزارة بأكملها أو من أحد الوزراء والقرارات الخاصة بتشكيل اللجان النيابية أو بوضع النظام الداخلي… الخ فهذه الأعمال تأخذ حكم التشريعات العادية من ناحية عدم اختصاص القضاء الإداري بإلغائها.

سادساً: أن النصوص الدستورية يجب أن تفسر بالنظر إليها باعتبارها وحدة واحدة يكمل بعضها بعضاً، بحيث لا يفسر أي نص منها بمعزل عن النصوص الأخرى ، بل يجب أن يكون تفسيره متسانداً بما يقيم بينها التوافق والنأي بها عن التعارض، فالأصل في النصوص الدستورية أنها تعمل في إطار وحدة عضوية تجعل من أحكامها نسيجا متآلفا مؤداه أن يكون لكل نص منها مضمون محدد يستقل به عن غيره من النصوص استقلالاً لا يعزلها عن بعضها البعض، وإنما يقيم منها في مجموعها ذلك البنيان الذي يعكس ما ارتأته الإرادة الشعبية أقوَم لدعم مصالحها في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولا يجوز بالتالي أن تفسر النصوص الدستورية بما يبتعد بها عن الغاية النهائية المقصودة منها ولا أن ينظر إليها بوصفها هائمة في الفراغ، أو باعتبارها قيما مثالية منفصلة عن محيطها الاجتماعي. لذلك لا يجوز لنا أن نفرد حكماً خاصاً للمادة (83) الدستور وبشكل يعزلها عن باقي نصوص الدستور لاسيما المادة (120) منه.

واخيراً، نقول بان الدستور هو القانون الأساسي الأعلى الذي يرسى القواعد والأصول التي يقوم عليها نظام الحكم، ويحدد السلطات العامة ويرسم لها وظائفها ويضع الحدود والقيود الضابطة لنشاطها، ويقرر الحريات والحقوق العامة ويرتب الضمانات الأساسية لحمايتها، وحق لقواعده أن تستوي على القمة من البناء القانوني للدولة وتتبوأ مقام الصدارة بين قواعد النظام العام باعتبارها أسمى القواعد الآمرة التي يتعين على الدولة التزامها في تشريعها وفي قضائها وفيما تمارسه من سلطات تنفيذية، دون أية تفرقة أو تمييز في مجال الالتزام بها بين السلطات العامة الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، و خضوع الدولة بجميع سلطاتها لمبدأ سيادة الدستور امراً لازماً لكل نظام ديموقراطي سليم، فيتعين على كل سلطة عامة أياً كان شأنها، وأياً كانت وظيفتها وطبيعة الاختصاصات المسندة إليها أن تحترم قواعد الدستور ومبادئه وأن تلتزم حدوده وقيوده، فإن هي خالفتها أو تجاوزتها شاب عملها عيب مخالفة الدستور. وخضع -متى انصبت المخالفة على قانون أو نظام – للرقابة القضائية التي عهد بها الدستور إلى المحكمة الدستورية بوصفها الهيئة القضائية التي اختصها دون غيرها بالفصل في دستورية القوانين والانظمة بغية الحفاظ على أحكام الدستور وصونها وحمايتها من الخروج عليها.

رئيسي