عمان والرياض توترات مكتومة ، وعدم انسجام في المواقف ! وملفات تُعكر الأجواء ، ما الذي تغير في قواعد اللعبة ؟

الأردن اليوم-المهندس سليم البطاينه

عمان والرياض توترات مكتومة ، وعدم انسجام في المواقف ! وملفات تُعكر الأجواء ، ما الذي تغير في قواعد اللعبة ؟

لا أعرف لمَ الخجل بتكرار النفي عن توتر العلاقات بين عمان والرياض ! فبالتأكيد أنها ليست في أحسن أحوالها ، فهناك نوعٌ من عدم التوافق الواضح في وجهات النظر أدى إلى حدوث تنافر ومناكفات في قضايا مهمة معظمها إقليمية.

فالمطبخ السياسي الأردني لا زال يحرص على عدم تطور البرود في العلاقة مع الرياض ، وإن نجحت عمان والرياض بشكل رسمي في إخفاء هذا التوتر وعدم الحديث عنه ،،، لكن الخوف من اتساع دائرة الاستعصاء وتعمقها وتعقدها بمرور الأيام وأن يصبح الزمن عنصرا أساسياً من عناصر التأزيم ، وان يتحول إلى وقود إضافي يغذي الأزمات.

والأزمة المُخبئة تحت الرمال تؤكدها إشارات عديدة منذ مدة ولم تعد صامتة بفضل ما رشح عنها من معلومات ومؤشرات تُرجم بعضٌ منها في سياق اقتصادي ،،،،، وكان واضحاً أن هنالك تحول نوعي في الخطاب وحدوث تغير في المفردات المستعملة.

حيث تكشف الأزمة أن العلاقات باتت علاقات برغماتية بقدر أكبر من أنها استراتيجية ، وبات من الصعب التكهن بمستقبل تلك العلاقات وما إذا كانت ستتصاعد إلى مستويات أكبر ؟ أم أنها ستتوقف عند هذا الحد حفاظاً على الأرضية المشتركة بينهما لمواجهة حزمة من الملفات التي تجبر الطرفين على عدم توسعة الهوة بينهما.

وحسب الضابط في جهاز الإستخبارات الأمريكية CIA ( Bruce Riedel ) ، والذي يعمل حالياً مع معهد Brookings Institution للدراسات الاستراتيجية أن الرياض أرسلت منذ سنوات عدة إشارات تدل على توتر علاقاتها مع عمان منها رفض الاردن إرسال قوات للمشاركة في حرب اليمن ، واعتراض الأردن على حصار قطر ، وملف الإخوان المسلمين في الأردن والذي ترى عمان أنه لا يشكل أية خطورة داخل الإقليم ،،،، والموضوع الآخر الذي كان له أهمية هو زيارة وزير الخارجية السعودي ومعه مدير المخابرات السعودية ومدير مكتب ولي العهد السعودي من أجل الإفراج عن باسم عوض الله ،،،، إضافة الى تصريح وزير المالية السعودي في مؤتمر دافوس الأخير ( ١٨ يناير ٢٠٢٣ ) ، وإن لم يذكر دولة بعينها التي ربط فيها تقديم المساعدات والشروط السعودية حول منحها.

وأكد Bruce Riedel  أن السعودية تريد سلاماً مع اسرائيل مختلفاً عن الاتفاقيات الابراهيمية ، فهي لا تبحث عن سلام سريع ورخيص ،،، وأن واشنطن ومعها إسرائيل تحاولان عبر صفقة القرن تعزيز نفوذ السعودية في القدس ،،، وإن التنافس الإقليمي على زيادة النفوذ في المدينة المقدسة يأخذ إبعاداً متعددة منها ما هو ديني وأخر سياسي يرتبط بصورة وثيقة بحالة الاستقطاب الإقليمي الحاصلة في المنطقة بين الدول والمحاور المتعارضة ، وأن هناك أحداث أخرى متعاقبة زادت من حدة الاختلاف حول ملفات أخرى جديدة منها ملف عوض الله ، حيث ألمح ان لدى الاردن رغبة في ايجاد مخرج قانوني وسياسي وإنساني للإفراج عنه.

الأردن يدرك وعلى لسان جلالة الملك وكافة المسؤولين ان السعودية هي العمق الاستراتيجي وهي اللاعب المُهم في الإقليم ، وإذا كانت السعودية بخير  فالاردن بخير ،،، والسعودية ترى أن الأردن مهم جداً بالنسبة لهم كواجهة اقتصادية وأستثمارية ، ولطالما أعلنت أنها ليست لديها مصلحة في زعزعة استقرار الأردن حليفها الإقليمي.

الأزمة لم تصل إلى درجة القطيعة ؛ بل ذلك من باب المحال ، وقد تشهد نوعًا من الصعود في أزمات وهبوطاً في أزمات أخرى ،،، فقد كان للبلدين مواقف متطابقة في الكثير من الأزمات التي عصفت في الإقليم خصوصاً في النصف الثاني من القرن العشرين ( في الكويت عام ١٩٦١ ، وبعد الأزمة اليمنية عام ١٩٦٢ ).

والسعودية تحتضن ما يزيد عن ٤٥٠ ألف من العمالة الاردنية  ، وهي الدولة العربية الوحيدة التي لطالما وفت بالتزاماتها تجاه الأردن أبتداءً من عام ١٩٥٧ عقب انتهاء المعاهدة البريطانية – الأردنية ( توقيع اتفاقية المعونة العربية ) وحتى يومنا هذا مرورًا بموجة الربيع العربي.

إن تحليل التوتر الراهن للأزمة بين عمان والرياض يبين ان هناك عوامل اقتصادية وسياسية وامنية ذات أبعاد جيوبوليتيكية ، إضافة الى متغيرات حدثت في هيكل النظام العالمي وترتيب الفاعلين فيه ،،، والى حدوث متغيرات مفاجئة في أدوار القوى الإقليمية في المنطقة.

عمليًا لم تشهد علاقات عمان والرياض هذا القدر من التوتر منذُ زمن طويل ! رغم التزامها لغة الدبلوماسية خشية انزلاقها نحو أزمات عميقة ، وحرص الطرفين على إبقائها ضمن مستوى معين من تفاهمات الحد الأدنى وعدم التمادي في تصعيد الخلاف.

نحن وحدنا في الأردن نعيش عالم الافتراضات ! وعلينا ان نتعلم من دروس الماضي دون أن تُشكل هذه الدروس قيداً علينا ، فكلما عرضت أزمة وأستعرت ، ثم مضت أو استقرت وتفرعت ! عاد السؤال الذي لا يجوز ان يتوارى : أنحن بمستوى الحدث أم لا ؟ ليظهر هنا مستوى الحاجة الوطنية الى مسار سياسي واضح ترسم ملامحه وتوجهاته قدرة القرار السياسي على احتواء الازمة ،،، فنحن نستعد في أحيان كثيرة لمواجهة أزمات الماضي ، ولعل الأمر الوحيد الذي نعرفه على وجه اليقين هو أن ثمة أزمات وخلافات أخرى ستقع ستختلف عن تلك التي نشهدها حاليًا.

رئيسي