عيادات يجسد واقع النهضة العربية في مؤتمر تجديد الرسالة الحضارية

الأردن اليوم – فيما يلي الكلمة التي ألقاها الأستاذ الدكتور زيد عيادات رئيس مجلس أمناء منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر (النهضة العربية:تجديد الرسالة الحضارية) الذي نظمته منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية في عمان يومي 25 و26 نيسان 2018 احتفالاً بمرور عشر سنوات على تأسيسها
…….

عطوفة رئيس الجامعة الأردنية الدكتور عزمي محافظة المحترم راعي الحفل.. معالي الدكتور محمد أبو حمر الأمين العام لمنتدى الفكر العربي.. أصدقاؤنا من الجامعة الأمريكية في بيروت.. الضيوف المبجلون.. الحضور الكريم..
أسعد الله صباحكم بكل الخير والمحبة..
وأهلاً بكم في عمان..أهلاً بكم إلى عمان..الشجر والبشر والحجر..التاريخ والحضارة..وإغاثة الملهوف..عمان العمونيين..وأسلافهم..عمان المدينة التي تعاقبت عليها أمم وحضارات .. وشكلتها روايات وسرديات..وشاب الكثير منها الإفتئات والتزوير… وخالطها التدليس والتضليل.. فهل إلى حقيقة من سبيل؟

وأهلاً بكم إلى منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية، في الذكرى العاشرة لتأسيسها، وفي انطلاقتها الجديدة..لتدشين عصر النهضة العربية الجديد.

راعي الحفل الأكرم، الضيوف المبجلون الموقرون،

النهضة العربية للديمقراطية والتنمية بدأت حلماً بعيد المنال وعصياً على الإنجاز، فكرة في صدور النساء والرجال الشباب التواقين للتحرر والإنعتاق…عملاً قاده شباب مؤمنون واثقون عازمون… فكان هذا الإنجاز.

وبعد عقد على تأسيسها، ها هي النهضة العربية المؤسسة، تستنهض النهضة العربية الفكرة وتنفض الغبار والصدأ عما لحق الفكرة والعمل والمشروع، وتعمل معكم على صياغة عقد اخلاقي جديد يؤطر السياسة والعمران والفنون.

ثم أهلا بكم الى مؤتمر النهضة العربية..تجديد الرسالة الحضارية، حيث استحقاق السؤال وضغوط الواقع ومتطلبات البقاء رغم غموض العنوان.

هل النهضة العربية من أساطير الأولين وبدع الآخرين! وهل تسعفنا المعجزات الحديثة بالعبور إلى التقدم والأنوار؟ أم النهضة أسيرة الأنبياء القديم منهم والجديد؟ سؤال المنهج…
هل نراهن على التربية والتعليم ؟ أم على الشباب وتحرير المرأة؟ هل يمكن لمنظومة حقوق الانسان كفلسفة عالمية إنسانية شاملة أن تؤسس لنهضة عربية إنسانية قابلة للحياة؟ سؤال المضمون..

ثم ما هي هذه النهضة المشتهاة؟ والعدالة المبتغاة؟ أهي مسخ لتجارب الآخرين؟ أم تجديدٌ لتجارب السابقين؟ ما مضمونها وما هي شروطها وما هي أشراطها؟ سؤال الماهية..
ثم من هم (نحن) الذين ندعو للنهضة ونبشر بقرب إطلالة نجمها وبعث رسلها ورهبانها؟ سؤال الهوية..

ثم ما الذي “نحن” عليه ها هنا عاكفون ومنتدون؟ أهي طقوس الفكرة والحقبة والحصاد؟ أم مراسم تدشين عهد الأنوار الجديد؟

راعي الحفل الأكرم
الضيوف المبجلون الموقرون
الحضور الكرام
أما في مضمون النهضة الحضارية المتجددة فأقول أنها تعني حركية تاريخية جديدة.. تستند إلى بنية ذهنية معرفية حديثة، تعيد الأمة لممارسة دورها الأخلاقي والحضاري.

فصلها الأول …الفكر والمعرفة لإزالة القداسة عن التاريخ وتحطيم أساطيرالأولين والآخرين، وتأكيد مركزية الفعل الإنساني الواقعي ودوره وأدواته من عقل وعلم.

شرطها السابق على صيرورتها هو”إعلاء قيمة الحرية” بما هو تحرير للفعل الإنساني من التبعية وللعقل من الجمود والتقليد وللمجتمع من الاستبداد.

ينتج عن أعلاء قيمة الحرية كقيمة لا تعلوها قيمة، التأسيس لنهضة عربية إنسانية جديدة جامعة ترتكز الى مفاهيم حقوق الانسان والعدل والمساواة والكرامة الإنسانية.

وددت في هذه الافتتاحية أن أستعرض معكم بعد “حديث المضمون” منهجية التفكير والعمل لتجديد الرسالة الحضارية…

في معاينة الواقع : رؤية تشريحية
يستحكم بالعالم العربي أزمات متداخلة، استوطنته وسكنته وشكلته على النحو الذي نراه به اليوم ضعيفاً ،منقسماً ،عنيفاً، خارج التاريخ والفعل، غير آمن، لا يأمن به فرد ولا جماعة ولا دولة.

أولى هذه الازمات هي أزمة الأخلاق وفوضى المعايير والقيم. وهو الأمر الذي أنتج الفساد السياسي والمالي والجمالي. فأفسد الذائقة حيث اختلط الخير بالشر، والجميل بالقبيح، والصواب بالخطأ، وغدا فيه الحكيم حائراً. واستحكمت الأزمة الأخلاقية هذه واضطراب المعايير والقيمية الفرد والمجتمع والدولة.

ثاني هذه الأزمات هي أزمة الهوية ومظاهرها العنف والتطرف والانقسام، هي أزمة يعاني منها أيضاً الفرد والمجتمع والدولة الأمر الذي يفسر حالتي الاغتراب والاضطراب.
تسكن أزمة هوية العالم العربي منذ قرون..منذ واجه الاخر غازياً ومستعمرا ً. ولقد عمق الشعور بأزمة الهوية تلك هذا الفشل في إيجاد الحلول، فباتت أزمات الاستبداد والتخلف الاقتصادي والضعف العسكري والاحتلال والاستعمار وحديثاً العولمة.. عوامل جديدة في تعميق أزمة الهوية المستعصية…
وتزداد الهوية تعقيداً وتأزمناً عندما تحاول “الجماعات” محددة تقديم تصور ضيق، وإقصائي و”مقدس” لحل الأزمة، فتصبح مشروعات الحل معقدات إضافية لأزمة الهوية.
“صراع الحلول” إذاً.. تعبير عن الأزمة وسبب في تعميقها.

ثالث الأزمات : هي أزمة الدولة..
الدولة هذا الكائن الحي.. الواقعي والأسطوري..العملي والمتخيل، والتي تعتبر في نظر الكثيرين أرقى ما ابتدعه العقل البشري، هذا الكائن مضطرب كفمهوم وتصور في العقل العربي، وفاشل أو في طريقه إلى الفشل كمشروع تحديثي وكتعبير عن الضمير الجمعي للأمة والمجتمعات.
ناهيك بالطبع عند تناقض الثنائيات: الأمة-الدول/ الدولة –الأمة/ الدولة –الجماعات/ الدولة -المدينة /الدولة- الطبقة/الدولة-القبيلة/ أوالقبيلة- الدولة.
لقد تم اختزال الدولة المؤسسة الى الدولة “السلطة” وتم تسخير الدولة لتجميع الثروة وتقاسم النفوذ وإقصاء المنافسين واستعباد المواطن وتصارع النخب والعائلات والقبائل.
إذاً، فإن فشل مشروع الدولة أنتج ” أزمة الدولة”.
رابعاً :أزمة المجتمع والجماعة..
تقوم الجماعة وتنشأ المجتمعات على أسس من المصلحة والمصالح المتبادلة بين مكوناتها، بالإضافة إلى الروابط البدائية المرتبطة بالدم والقرابة والعرق والدين والمذهب وغيرها.
إلا أن قانون العمران الأهم هو أنه بغض النظر عن الروابط البدائية والمصالح المشتركة في العيش والرفاه التي تربط أفراد الجماعة والمجتمع تبقى” الثقة الاجتاعية” هي الإسمنت واللاصق الذي يحمي المجتمع ويبقي الجماعة.
أزمة المجتمع في العالم العربي غياب هذه “الثقة”..هذا الإسمنت..لذلك ترى تجاوراً لا تساكناً ولا تعايشاً ولا تشاركاً بين مكونات المجتمع الواحد، بل على النقيض من ذلك يسود التناحر والتنافر والتآمر وغلبة الثقافات والهويات الفرعية على الهوية الجامعة.
نحن إذاً نصف مرحلة ما قبل الجماعة وما قبل المجتمع.
في معاينة الواقع رؤية استراتيجية
العلاقات الدولية والنظام الدولي
توصيف وانعكاس لتوزيع الأفكار والقيم والرؤى وتوزيع القوة ونمط العلاقات بين هذه الأفكار والقيم والقوى.
بقراءة متأنية نرى استمراراً للهيمنة الأمريكية على النظام الدولي والنظم الفرعية، وتراجعاً لأوروبا في التأثير على السياسة، وحدوداً على قوة الصين، بحيث تبقى قوة إقليمية لا دولية، وانحساراً وضغفاً لقوة روسيا، وبروزاً للهند.. وتزايد التحدي الإيراني، وبعث أحلام تركيا واستمرار مشروع إسرائيل.
في ظل هذا الواقع الدولي وفي غياب نماذج بناء الدولة والقوة في العالم العربي وفي ظل الأزمات المستحكمة والمستعصية فإن القراءة الأولية لا تبعث على الأمل!

في قراءات التاريخ:
قوانين التاريخ وفيزياء السياسة
من نشوء وزوال الأمم إلى صعود وسقوط القوى الكبرى، إلى لماذا تفشل الأمم..
يعلمنا التاريخ وتنبؤنا السياسة بأن غياب الحرية وضعف المؤسسات وانهيار المنظومة الأخلاقية والقيمية هي عوامل الهدم والضعف والزوال. كما وتعلمنا قراءة التاريخ أن مشاريع بناء الحضارة والصعود إلى القمة ونجاح الأمم ونهوضها يمر عبر بوابة الإرادة والعمل المسيج بالرؤية والحرية والمبني على العقل والعلم والواقعية العقلانية.. بتفاؤل الإرادة نهزم تشاؤم العقل.. بالعلم والحرية وكريم الأخلاق نجدد الرسالة الحضارية ونساهم في الحضارة الإنسانية.
تجديد الرسالة الحضارية.. بناء الأمم..صعود القوى..فعل إنساني بامتياز. وفعل سياسي بامتياز. يستقرئ الواقع ويستنبط الدلائل المادية والعقلية، ومحدات الصيرورة التاريخية للوقوف على الأسباب والمسببات، الشروط والمتطلبات، السياسات والأدوات.

في استشراف المستقبل
لم يعد استشراف المستقبل ترفاً، ب بات حاجة ماسة لأمن الدول وبقائها. ولم يعد التنبؤ مرجاً وهرجاً ورمياً بالحجارة وقراءة الكف والنجوم، بل غدا علماً أصيلاً مستقلاً، ذا مناهج ونماذج يتطلب درساً وعقلاً وتحديثاً على الدوام.
وعلى الرغم من الإنجازات العلمية والتقنية التي أبدعها العقل البشري في العقود القليلة الماضية، وبالرغم من تطور أدوات وأساليب ومناهج التحليل العلمي والأطروحات النظرية الشارحة والمفسرة للتحولات العاليمة، فإن قدرتنا على استشراف المستقبل والتنبؤ بأحداثه ومآلاته ما زالت في بداية الطريق.
وإذ تشهد الدول والمجتمعات إرهاصات الثورة الصناعية الرابعة وما بعد الحداثة وما بعد العلمانية، فإن العالم يعبر مرحلة “تحول وانفجار معرفي ومعلومات” كبرى من شأنها أن تغير من تصورنا لذواتنا وللعالم الفيزيائي والإجتماعي الذي نعيش فيه من جهة، ومن شأنها أن تعقد فهمنا للتحولات بالقدر الذي تبسط فيه التواصل والحصول على المعلومة.
التحدي الحقيقي هنا هو كيف نصنع “معرفة” علمية منتجة من المعلومات المتاحة إلى حد الطوفان.
نتيجة لهذه التطورات العلمية والتقنية والتغيرات الجيوستراتيجية والإجتماعية التي أحدثتها، بات من الضروري أن ننتقل بالتحليل السياسي من سرد القصص والتمني إلى الواقعية العلمية وبناء النماذج التنبؤية التي تمكننا من فهم الواقع الدولي وتفسيره والتنبؤ بالمتغيرات ومعرفة اتجاهاتها والوقوف على أفضل السبل للتكيف معها والتأثير فيها أو السيطرة عليها.
ما نجهل أننا نجهله هنا هو أنه باستطاعتنا عمل الكثير. ليس فقط التنبؤ بمسارات الأحداث والسيناريوهات البديلة المحتملة والسياسات الناجحة، بل نستطيع أن نصوغ المستقبل، نصممه ثم نصمعه… فهل أنتم فاعلون؟!!
النهضة العربية… ملامح مشروع جديد
التجديد المرام، ينطلق من اولوية الأخلاق ومركزية الحرية وبناء المؤسسات وإعلاء قيم الكرامة الإنسانية والعدل والمساواة.

ويتطلب عقلانية حداثية..وعلم جديد..وتصور خلاَق لما يمكن أن يكون عليه المستقبل.
ويتطلب أيضاً القبول بالآخر..فكراً، فرداً وجماعة، والإنفتاح على الآخر ورسم هوية جامعة لا مفرقة وبناء جسور الثقة بين مكونات المجتمع.

ويتطلب أيضاً تحرير الدين من سلطة النص والسلف ومن الجمود والإنغلاق، كما ويستوجب تحرير المرأة وإطلاق طاقات الشباب والعمل بإرادة التفاؤل.

رئيسي