الجيش.. بين ثنائية «السقاية والرفادة» و«إعادة الهيكلة»!! .. د. خلف الطاهات

كتب : نائب عميد كلية الاعلام في جامعة اليرموك الدكتور خلف الطاهات

وفق آخر استطلاع للرأي العام الذي أعلن نتائجه قبل أسبوع مركز الدراسات الإستراتيجية بالجامعة الأردنية فقد حصد الجيش العربي أعلى مستوى من الثقة الشعبية من بين مؤسسات ووزارات الدولة الأردنية ما يؤشر الى حجم الحضور الشعبي للأجهزة الأمنية والعسكرية في وجدان الأردنيين.

بالتأكيد لم تكن هذه النتيجة مفاجئة او جديدة، فعلى مر تاريخ الأردن كان ولا يزال الجيش يتربع على عرش مؤسسات الدولة فخرا وتقديرا واعتزازا إذ أنه المؤسسة الوطنية التي تعمل بصمت ونكران تام للذات ويقدم التضحيات والشهداء تلو الشهداء في سبيل ان يبقى الوطن صامدا آمنا منيعا.

والجيش دوما قبلة الأردنيين في أفراحهم وازماتهم، ولا ينفك يقدم الجيش دوما أروع سير التضحية وأنقى صور البطولة ولنا في المشهد الاخير في أزمة الجنوب السوري قصصا نرويها بفخر وزهو تناولها الاعلام الداخلي والخارجي وهو يشاهد مرتبات الجيش يلملمون جراح النازحين ويمسحون على جباه المتعبين المثقلين بالوجع والالم ويحملون على اكتافهم شيوخا ركع ويحتضنون اطفالا رضع.

هو الجيش وفرسانه الذين خطوا حروف الامل واعتلوا صهيل المجد وبددوا عتمة الليل لمن تاهت خطاهم بين وصاص متراشق ودموع لم تجد الا بيارق ابا الحسين يكفكفونها فكانوا كما البحر يحمل سفينة النجاه والمطر الذي احيا ارضا بعد بوارها. هو الجيش حامي الملهوف وناصر المظلوم وجابر خواطر المستضعفين.

وبالرغم من الجهود الاغاثية الاستثنائية التي نفذها الجيش الاردني في الحدود الشمالية وهي بالتاكيد ليست من صميم المهام الاساسية ومن واجباته الرئيسية الا انه قام بمليء فراغ المجتمع الدولي والمؤسسات الاخرى ذات الصلة بالعمل الانساني والاغاثي. الجيش واجبه بالاساس “عملياتي” وليس “اغاثي” الا انه اضطر وهب لنجدة النازحين السوريين في وقت تخلت عنهم هيئات ومنظمات دولية.

هو الجيش الذي لا يساوم على انسانية البشر كيف لا ومدرسة الهاشميين في الخلق والتواضع والتسامح والسقاية والرفادة علمتهم ان “الانسان اغلى ما نملك”!!

هذه الانشغالات لم تحرف اهتمامات الجيش وقيادته عن تنفيذ الرؤية الملكية المستنده لفكر القائد الاعلى للقوات المسلحة في التخطيط العسكري الحديث ولم تثني الجيش عن تطوير الذات واعادة بناء القدرات وفقا لمنظومة عسكرية حديثه وانخرط الجيش في عملية “اعادة هيكلة”. فخبراء الفكر العسكري يرون ان الجيوش تقوم كل عشر سنوات باعادة هيكلة لذاتها بناء على التحديات القائمة ووفقا للمعطيات السياسية والاقتصادية والامكانات المتاحه. والجيش الاردني ليس استثناء عن بقية هذه الجيوش التي تنتهج مثل هذه السياسيات التنظيمية وصولا لمنظومة عسكرية “رشيقة” بهدف المحافظة على الكفاءة والجهوزية العالية.

والرشاقة تتحقق بتقليص بعض القطاعات في الجيش وصولا للهدف المنشود. فعلى سبيل المثال حجم القوات الخاصة في الجيش الاردني يفوق القوات الخاصة بالجيش البريطاني. ففي بريطانيا بحسب الارقام التقديرية وهي احدى الدول العظمى وترتيبها متقدم في القوة العسكرية عالميا يوجد لديها الفان من القوات الخاصة مقابل نحو ستة الاف من القوات الخاصة الاردنية!!!

ولا يخفى على احد ان هذه الزيادة المفرطة في بعض القطاعات بكل تاكيد فيها “ارهاق” للقوات المسلحة وتحديدا لضمان استمرار بقاء كفائتها ورشاقتها بالمعايير المطلوبة عسكريا وعملياتيا. ومن منطلق المنظور العسكري الحديث لجلالة الملك استشعرت قيادة الجيش الحالية اهمية تنفيذ عملية اعادة هيكلة ناجحة والتي بدأت منذ فترة على مختلف القطاعات العسكرية.

ولعل مؤشرات نجاح عملية اعادة الهيكلة عديدة وعلى سبيل المثال فقد تم ربط قوات حرس الحدود مع قيادات المناطق العسكرية وتحديدا الشمالية والجنوبية والشرقية، وهذا الربط جعل عملية ضبط الحدود محكمة وجعل القادة قريبين من مرؤوسيهم ودلالة على ان ادارة الازمة الاخيرة في الجنوب السوري قد تمت بحرفية فائقه ووفقا للسناريوهات المتعددة التي وضعتها القوات المسلحة الاردنية.

واخيرا، اللغط والجعجعة التي رافقت عملية اعادة الهيكلة والتي تجاوزت مقاصد المنظومة العسكرية واستراتيجياتها الى حملة شخصية غمزت من قناة قيادات عرفت عنها الاستقامة والطهارة والحشامة لا تعدو ان تكون “تغميسا” من خارج الصحن وعنطزة للفت الانتباه لا اكثر ولا اقل!! وسلام الله ع الجيش..والجيش يا هيبة وطنا!!

رئيسي