الوطن البديل ودرء الشبهات والمتشابهات

الأردن اليوم – فارس البريزات

كتب دانييل أربيس مقالاً في وول ستريت جورنال في 2 كانون الثاني 2018 محاججا أن حل الدولتين قد مات، وادعى أن إدارة ترامب عرضت إشارات حول صفقة القرن القادمة للسلام في الشرق الأوسط. وقال إن إدارة الرئيس ترامب ستقدم مفهوما جديدا “جريئا” وهو استبدال “حل الدولتين الفاشل بكونفدرالية بين الأردن وإسرائيل”، حيث سيتم “الاعتراف بالأردن كدولة فلسطينية”. وأطلق على هذا الحل اسم “حل الدولة الحقيقي”. ويستند الكاتب على حجة “أن الفلسطينيين أغلبية سكانية في الأردن”. وبالطبع دون أن يُفرق بين مواطنين أردنيين من أصل فلسطيني أو غيره. ويدعو إلى أن “حل الدولة الحقيقي” سيوفر للفلسطينيين الجنسية الأردنية، ويتحمل الأردن بموجبه المسؤولية الإدارية لسكان الضفة الغربية على أن تبقى السيادة على الأرض لإسرائيل.


الوطن البديل هو مشروع إسرائيلي جدّي، تحاول أوساط إسرائيلية متطرفة، وأخرى حليفة لها في العالم والمنطقة وداخل بعض دول المنطقة، بما فيها الأردن، الترويج له بشتى السبل والوسائل البائنة والمستترة وما بينهما. بعض هذه الأوساط يعمل بوعي تام، وبعضها بجهل مطبق، وبعضها يعمل بأجر معلوم وفق رؤية ممنهجة وتدريجية ومحسوبة بدقة للوصول إلى تفريغ أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين من فلسطين إلى أي مكان آخر خارج فلسطين بما في ذلك الأردن. ويتم هذا من خلال تحويل حياة الفلسطينيين الصامدين، كشجر الزيتون، في أرضهم إلى جحيم وتسهيل مغادرتهم أرضهم إلى أي جهة كانت. وعلى الرغم من أن هذه السياسات الإسرائيلية لن تتمكن من تهجير الفلسطينيين كافة، إلا أنها تدفع الكثيرين للهجرة مما يساهم في تفريغ فلسطين لصالح المحتلين الإسرائيليين ومستوطنيهم.

يتم الترويج للوطن البديل، بوعي أو بغير وعي، تحت حجج متعددة؛ تبدأ بالمثالية الأممية البائدة والمساواة بين جميع البشر بغض النظر عن أي خلفيات ومن هو الظالم ومن هو المظلوم ومن هو المُشرَّد ومن هو المُشرِّد، وتمر “بالأخوة” الدينية والقومية وتتغلف بالأفكار التقدمية النبيلة المتعلقة بالحقوق المدنية والسياسية. ويتم عادة، بعلم أو بجهل، فصل النتيجة عن السبب وتجريد اللجوء من الأطر السياسية المسببة له من احتلال وقتل ودمار وإرهاب التي أدت إلى اللجوء الإنساني. كل هذه المداخل بتعددها ودوافعها المختلفة والمتناقضة والمتضاربة تؤدي لنتيجة واحدة وهي إضفاء الشرعية على فعل التهجير القسري من خلال قبول التوطين الفعلي في بلد آخر دون النظر للنتائج الوخيمة المترتبة أو التي يمكن أن تترتب على ذلك.


تكتسب قضية توطين اللاجئين أبعادا عديدة وذات خصوصية في كل مجتمع. في الأردن تم تأسيس هوية تضم الأردنيين من شتى الأصول والمنابت وعليهم جميعاً الدفاع عن الأردن وفلسطين معاً من خلال الوقوف بوجه محاولات تجنيس مزيد من الفلسطينيين في الأردن ومنح الإسرائيليين وحلفائهم مزيدا من المبررات لتحويل الأردن إلى فلسطين ووأد حل الدولتين الذي يشكل الموقف الإستراتيجي للدولة الأردنية.


على الرغم من أن هناك إدراكًا بأن حل الدولتين يواجه تحدياً خطيراً نتيجة لتقويضه من خلال السياسات الإسرائيلية الاستيطانية التي جعلت الأرض الفلسطينية في الضفة الغربية غير متصلة جغرافياً، إلا أنه ليس من الواقعي أن نفترض أن خلق الحقائق على الأرض سيضفي الشرعية على سياسات الأمر الواقع التي تنتهجها إسرائيل. والأهم من ذلك، أن القضية الوطنية الفلسطينية لا تزال واضحة تمامًا على الرغم من كل محاولات إخراجها عن مسارها: الحق في تقرير المصير في دولة شرعية معترف بها دوليا بما يتماشى مع قرارات مجلس الأمن الدولي والمبادرات اللاحقة التي قبلها الفلسطينيون.


وللوقوف بوجه سياسات التهجير والتوطين القسري يجب على السلطة الوطنية الفلسطينية إعادة تأكيد الهوية الوطنية الفلسطينية المشروعة وترسيخ موقفها من خلال التأكد من أن جميع الفلسطينيين أينما وجدوا وإذا أرادوا، أو أولئك المنحدرين من أصل فلسطيني على مستوى العالم إذا أرادوا، يمنحون الجنسية الفلسطينية بغض النظر عن جنسياتهم الحالية الأخرى.

لم يتغير موقف الأردن الإستراتيجي ولن يتغير: السلام يعني قيام دولة فلسطينية لجميع الفلسطينيين. الفلسطينيون الوطنيون ومعهم جميع الباحثين عن العدالة والسلام لن يقبلوا أو يسمحوا لأنفسهم بتيسير أو جعل الأردن، أو أي مكان آخر، وطناً بديلاً للفلسطينيين. على الرغم من الجهود الدؤوبة التي يبذلها الإسرائيليون، لا سيما الأيديولوجيون اليمينيون الإسرائيليون، ومؤيدوهم عالمياً والحلفاء في المنطقة للدفع باتجاه خيار سياسة “الأردن – فلسطين” بطرق وأشكال عديدة، إلا أن هناك موقفا قويا يوحّد مواطني الأردن وقيادته على رفض هذه المحاولة على الرغم من تكرارها. الفلسطينيون والأردنيون من جميع الخلفيات يقفون موحدين وراء فلسطين المستقلة. كما يرفضون أي تهجير ضمني أو صريح لعدد أكبر من الفلسطينيين إلى الأردن. إن إفراغ فلسطين من شعبها الشرعي لا يخدم أحداً سوى إسرائيل، وسوف يفعل الأردنيون ما بوسعهم، وما ينبغي عليهم فعله، لدعم الفلسطينيين والحفاظ على الأردن بهويته الراهنة.

* رئيس مجلس إدارة نماء للاستشارات الإستراتيجية