لعبة الاستفراد بالثور الأبيض وتوديع اللاءات الثلاث !

0 38

كتب : المهندس سليم البطاينه

 

الاردن اليوم  : كل الأمثلة العربية التي قالها العرب في قاموسهم الكبير لم ولن يستفيدوا منها ! والمثل الشهير ( أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض ) هو مثل عند العرب لما له من معانٍ  وحكم عميقة ،،، ويضرب هذا المثل لِمَن يستشعر مصيره السيئ مما رأى في مصائر غيره ممن مثله ويشبهون حالته ومن استأثر بنفسه ظاناً نجاته ، ومن استشعر مصيره أنطلاقاً من مصير غيره.

 

وهذا المثل هو نذير شؤم لمستقبل عربي نخشى أن تُؤكل فيه الجغرافيا عاصمة عاصمة.

 

فالجغرافيا لم تتغير وحدها بالمنطقة بل تغيرت معها أنماط الفكر والسلوك السياسي العربي ! فلم يخطر ببال أحد أن يأتي اليوم الذي تُقاس به مسارات الهرولة نحو إسرائيل بمقياس مطاطي ،،، وفكرة انتاج الجغرافيا السياسية وإعادة إنتاج هويتها هي فكرة اسرائيلية قديمة.

 

واسرائيل تُريد تكريس الحاضر وتجاهل الماضي والتاريخ ، والمشهد يقول ان اسرائيل تعمل على سياسة الاستفراد بكل دولة عربية على حده لفرض وقائع ومتغيرات جديدة ، والاستراتيجية الإسرائيلية تقول انه لابد من استحكام الدور في كل الاتجاهات.

 

والواضح أنه طرأ تغير في التفكير الصهيوني منذ بداية الهرولة نحو إسرائيل ، وهذا ليس استناجاً فالقرائن المتوافرة تدل على ذلك ،،، وبات الخوف من نكبة ونكسة ثانية تلوح إرهاصاتها في الأفق ! فالعرب في أضعف حالاتهم و إسرائيل تمارس منذُ سنوات الاستفراد بالثور الأبيض ،،، والإدارة الامريكية ما زالت تقف على يمين نتنياهو.

 

عمومًا القضية الفلسطينية مرت بأدوار متدحرجة نحو التنازل والانحدار ! ف ٤٥ قمة عربية عادية وغير عادية عقدت منذ عام ١٩٤٦ ، ومئات القرارات اتخذت ولم تُنفذ وظلت حبراً على ورق ! ومن لا تسعفه الذاكرة فليقرأ قرارات قمة الخرطوم عام ١٩٦٧ والتي أعلنت اللاءات الثلاث ( لا صُلح ولا تفاوض ، ولا اعتراف بإسرائيل ) ! وبعد خمسين سنة من قمة الخرطوم انكسرت اللاءات الثلاث في قمة بيروت عام ٢٠٠٢ التي تبنت المشروع السعودي للتسوية ( انسحاب كامل من الأراضي العربية مع تجاهل الحديث عن عودة اللاجئين إلى بلادهم التي طردوا منها ) ،،، إلى أن وصلنا إلى قمة عمان عام ٢٠١٧ ( قمة التنازلات ) التي شكلت منعطفاً خطيراً أجهز على ما تبقى من عصر اللاءات في مواجهة إسرائيل ، والتي كان أحد أبرز مهماتها تنظيم ورعاية التنازلات العربية.

 

فكل حدث أو مؤتمر بالمنطقة والإقليم لابد أن يكون له هدف معين أو غاية يراد الوصول إليها ! كما ستكون له أعراض وأشارت تسبقه وتُنبىء وتُهيء لحدوثه ،،، فالزعماء العرب تجاوزت علاقتهم مع إسرائيل عصر اللاءات وانتقلت العلاقة من مرحلة السر إلى مرحلة العلن.

 

واليوم وبعد أن انطوت تلك القمم ! وفي ظل التآكل العربي والتراجع عن الثوابت والنكوص عن الاتفاقيات ! بتنا نشاهد منطق جديد يتحدث عن مجرد صفقة مقابل فوائد اقتصادية تقضي في النهاية القبول والرضوخ للاحتلال وتأييده ، وتصفية القضية الفلسطينية ووأدها بشكل نهائي استجابة للأطروحات الصهيونية لترسيخ الكيان الإسرائيلي باعتباره دولة يهودية توسعية لا تعترف بالحدود الجغرافية.

 

ومشروع الصفقة الذي يجري حالياً الاحتفاء والترويج له يقوم على وجوب إلغاء المرجعية القانونية للقضية الفلسطينية ، والصراع العربي الإسرائيلي ، وإحلال مرجعية اقتصادية مصلحية محلها.

 

فعلى خلاف قراءتنا الفردية لأوضاعنا العربية فإن القراءات الإسرائيلية للأوضاع العربية والإقليمية تتميز بآفاقها الإستراتيجية السيكولوجية والسياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية ! وتشتمل على سيناريوهات مستقبلية تأخذها السياسية الرسمية الإسرائيلية على محمل الجد.

 

دعونا نأخذ أحد تلك القراءات وما صرح به الجنرال الاسرائيلي سابقا في الجيش ( يوسي كوبرفاسر ) رئيس دائرة الأبحاث في الاستخبارات الإسرائيلية لصحيفة ( Yedioth Ahronoth ) والذي كان يطلق عليه العقل المدبر  وقال ( أن العرب شغوفون بإعفاء أنفسهم من المسؤولية ؟ وتفكيرهم يخضع لغرائزهم ! ولا يمكن أن نُشير ولو لزعيم عربي واحد برز بأفعاله ،،، فكلهم يبرزون بعدم بروزهم ، ويهربون من كل فكرة تغير ، ويخافون من المستقبل ! ويحتجزون الإصلاح وراء القضبان ! ويتمسكون بالحاضر بأظافرهم ،،، وهم دوماً منشغلون بالحفاظ على ثرواتهم وأنفسهم فقط ،،، وأن بين الزعماء العرب الذين ما يزالون يتحدثون عن القضية الفلسطينية وأولوياتها يجرون على الأقل اتصالين هاتفيين أسبوعيًا مع نتنياهو ) ،،، واستشهد الجنرال الإسرائيلي بما تنبأ به الشاعر العربي السوري نزار قباني في قصيدته ( متى سيعلن موت العرب ! )

 

والكاتب الإسرائيلي في صحيفة (  Israel Hayom ) عوديد جرانوت اكد على اهمية تواجد الأردن في قمة النقب ٢ في المغرب باعتبارها لاعب أساسي في تحقيق المطالب الاسرائيلية والامريكية.

 

مؤسف أن نشهد تراجع عربي استراتيجي مجاني يقدمه العرب لإسرائيل ، ومهر عالي مقابل ثمن بخس ، والخوف أن يأتي اليوم الذي نردد فيه أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.